محمد بن جرير الطبري
203
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أن من شأن الأسماع إدراك الأصوات ، ومن شأن المتنشم درك الأعراف ، فمن الوجه الذي فسد أن يقتضى السمع لغير درك الأصوات فسد أن تقتضى الأبصار لغير درك الألوان . فيقال لهم : ألستم لم تعلموا فيما شاهدتم وعاينتم موصوفا بالتدبير والفعل إلا ذا لون ، وقد علمتموه موصوفا بالتدبير لا ذالون ؟ فإن قالوا نعم ، لا يجدوا من الإقرار بذلك بدا إلا أن يكذبوا ، فيزعموا أنهم قد رأوا وعاينوا موصوفا بالتدبير والفعل غير ذي لون ، فيكلفوا بيان ذلك ، ولا سبيل إليه ، فيقال لهم : فإذ كان ذلك كذلك فما أنكرتم أن تكون الأبصار فيما شاهدتم وعاينتم لم تجدوها تدرك إلا الألوان ، كما لم تجدوا أنفسكم تعلم موصوفا بالتدبير إلا ذا لون وقد وجدتموها علمته موصوفا بالتدبير غير ذي لون ؟ ثم يسألون الفرق بين ذلك ، فلن يقولوا في أحدهما شيئا إلا ألزموا في الآخر مثله . ولأهل هذه المقالة مسائل فيها تلبيس كرهنا ذكرها وإطالة الكتاب بها وبالجواب عنها ، إذ لم يكن قصدنا في كتابنا هذا قصد الكشف عن تمويهاتهم ، بل قصدنا فيه البيان عن تأويل آي الفرقان . ولكنا ذكرنا القدر الذي ذكرنا ، ليعلم الناظر في كتابنا هذا أنهم لا يرجعون من قولهم إلا إلى ما لبس عليهم الشيطان مما يسهل على أهل الحق البيان عن فساده ، وأنهم لا يرجعون في قولهم إلى آية من التنزيل محكمة ولا رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة ولا سقيمة ، فهم في الظلمات يخبطون ، وفي العمياء يترددون ، نعوذ بالله من الحيرة والضلالة وأما قوله : وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ فإنه يقول : والله تعالى ذكره الميسر له من إدراك الأبصار ، والمتأتي له من الإحاطة بها رؤية ما يعسر على الأبصار من إدراكها إياه وإحاطتها به ويتعذر عليها . الْخَبِيرُ يقول : العليم بخلقه وأبصارهم والسبب الذي له تعذر عليها إدراكه فلطف بقدرته ، فهيأ أبصار خلقه هيئة لا تدركه ، وخبر بعلمه كيف تدبيرها وشؤونها وما هو أصلح بخلقه . كالذي : حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ قال : اللطيف باستخراجها ، الخبير بمكانها . القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ وهذا أمر من الله جل ثناؤه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء الذين نبههم بهذه الآيات من قوله : إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى إلى قوله : وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ على حججه عليهم ، وعلى تبيين خلقه معهم ، العادلين به الأوثان والأنداد ، والمكذبين بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم من عند الله . قل لهم يا محمد : قد جاءكم أيها العادلون بالله والمكذبون رسوله بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ أي ما تبصرون به الهدى من الضلال والإيمان من الكفر . وهي جمع بصيرة ، ومنه قول الشاعر : حملوا بصائرهم على أكتافهم * وبصيرتي يعدو بها عتد وأي يعني بالبصيرة : الحجة البينة الظاهرة . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ قال : البصائر : الهدى بصائر في قلوبهم لدينهم ، وليست ببصائر الرؤوس . وقرأ : فَإِنَّها